صفقة تاريخية لدول الاتحاد الأوروبي للتعافي من تداعيات تفشي وباء كورونا

 
نعمان طرشة _ روما
 
صفقة! اختصرت هذه الكلمة السحرية التي نشرها شارل ميشيل، رئيس المجلس الأوروبي، عبر تغريدة على تويتر، نجاح المحادثات الأوروبية، والتي دامت أربع ليال، في التوصل إلى اتفاق قروض مشتركة يعد الأكبر في تاريخ الاتحاد الأوروبي. 
 
أتت قمة زعماء دول الأتحاد الأوروبي المباشرة لأول مرة منذ بداية أزمة كورونا في بروكسل، لتكون الأصعب وربما الأطول منذ ٢٠ عاماً، ولتكشف عمق تباعد الأوروبيين ليس فقط اجتماعياً، بسبب فيروس كوفيد وجغرافياً، شمالاً وجنوباً بل اقتصادياً وسياسياً وفقاً لحساباتهم الداخلية ولمصالحهم المتناقضة، رغم حاجتهم الملحة إلى البقاء متحدين لمواجهة التحديات الاستثنائية التي تمر بها أوروبا.     
 
تأرجحت المفاوضات بين التفاؤل الحذر والفشل المؤكد حول خطة التعافي الاقتصادي لمرحلة ما بعد وباء كورونا وتركزت الخلافات حول حجم صندوق الإنعاش الاقتصادي وطريقة ادارة الأموال والشروط المفروضة على الدول للاستفادة منها والأهم خيار المنح والقروض بين الدول الأشد تضررا من الوباء الراغبة في انقاذ اقتصادها، وتلك التي تشعر بالقلق إزاء ارتفاع تكلفة الصفقة وكيفية التصرف بها. 
 
استندت خطة الإنعاش الاقتصادي التي طرحتها المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ماكرون إلى موازنة طويلة الأمد للأتحاد الأوربي (2021  -2027 ) بقيمة 1074 مليار يورو اعتماداً على صندوق ممول من قرض مشترك بمبلغ 750 مليون يورو عبر وضع 250 مليون يورو على شكل قروض و500 مليار يورو على شكل منح ومساعدات مادية لا يترتب على الدول إعادتها.
 

عارضت مجموعة دول التقشف وعلى رأسها هولندا وحلفائها النمسا السويد الدنمارك وفنلندا خطة باريس وبرلين وطالبت بالأعتماد على القروض وتخفيض قيمة المنح وتقييدها بشروط محددة ومتشددة، ملمحة إلى اسراف دول الجنوب الأوروبي وعدم التزامها باجراء اصلاحات مالية حقيقية وتطوير أنظمتها الاقتصادية والضريبة، في محاولة لتغطية ديونها وعجزها على حساب دول الشمال الأوروبي.   
 
ايطاليا واسبانيا واليونان التي كانت تعاني أصلاً من وضع اقتصادي صعب منهك بالديون والعجز العام، تسبب تفشي وباء كورونا في تدهور اقتصادها أكثر وسط حالة ركود اقتصادي لا سابق لها منذ الحرب العالمية الثانية، بينما تشير التوقعات أن تعافي الاقتصاد الأوروبي لن يتحقق قبل منتصف العام المقبل.
 
 
خاض قادة دول الجنوب، الإيطالي جوزيبة كونتة والإسباني بيدرو سانشيز واليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، مفاوضات شاقة لإقناع شركائهم الأوروبيين بضرورة التوافق على حزمة المساعدات واقرارها في أسرع وقت ممكن، في ظل رفضهم وقلقهم من مواجهة شروط ومطالب دول التقشف لبرنامج إصلاح مالي مفروض ومتشدد والذي سيؤثر سلباً على سوق العمل ونسبة البطالة وملف الرواتب التقاعدية مما قد يدمر الاقتصاد الداخلي المنهك، مثلما حصل سابقاً مع اليونان، وسط محاولة أحزاب المعارضة اليمينية المتطرفة والحركات المناهضة للإتحاد الأوروبي استغلال الموضوع للحصول على مكاسب سياسية عبر استغلال الشارع الداخلي وتقليب الرأي العام المتملل من اللامبالاة الاوروبية أمام تداعيات وباء كورونا.   
 
في محاولة لتخطي الخلافات كثف رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال لقاءاته المغلقة مع مجموعات صغيرة من الدول الـ27 الأعضاء للتوصل إلى حل وسط يرضي جميع الأطراف، فيما أكدت باريس وبرلين رفضهما خفض قيمة المنح المقترحة. 
 
ساعات طويلة من الاجتماعات والمحادثات الثنائية بين الدول الأعضاء في سعي حثيث لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر وتليين المواقف المتشددة لبعض الحكومات الأوروبية، وسط مخاوف جدية من أن يؤدي عدم التوصل الى اتفاق ناجح إلى تردي الوضع الاقتصادي الصعب والإساءة إلى صورة الاتحاد الاوروبي التي هي أصلاً ليست في أحسن حالاتها. 
 

 
لعبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تتولى حالياً رئاسة الاتحاد الأوروبي دوراً أساسياً في المفاوضات، في محاولة ردم الهوة بين قادة الدول المشاركة، للتوصل إلى تفاهم في ظل انقسامات كبيرة بينهم حتى أعلنت ميركل أن: المفاوضات صعبة لكن هناك إرادة حسنة لدى الجميع وأمل حقيقي في التوصل إلى حل.
 
اتفاق تاريخي في لحظة محورية لأوروبا قابل للتنفيذ بدأت تتضح ملامحه إلى أن تم الاعلان عنه أخيراً. يبلغ حجم صفقة خطة الإنعاش الاقتصادي التي تمر إقرارها 750 مليار يورو في هيئة منح وقروض، تم تعديل حصة المنح فيها إلى 390 مليار مقابل 500 مليار يورو في الاقتراح الأولي للدول الأكثر تضرراً، وتحصل ايطاليا واسبانيا على القسط الأكبر منها، على أن تكون النسبة المتبقية بمبلغ 360 مليار يورو لتمويل قروض منخفضة الفائدة للدول الراغبة في دعم اقتصادها.
 
 
خطوة تاريخية اتخذناها اليوم، يمكن لنا جميعا أن نفخر بها… بهذه الكلمات عبرت أوروسولا فوندر لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية عن سعادتها بهذه الصفقة. وتحتاج الصفقة لتصديق البرلمان الأوروبي لتدخل حيز التنفيذ بعد خضوعها لمناقشات تقنية تفصيلية على أن يتم تمويل الصفقة عبر استدانة الاتحاد الأوروبي المبلغ من الأسواق العالمية وذلك بعد أن تم التوصل إلى اتفاق مواز على ميزانية الاتحاد الأوروبي للأعوام الشبعة المقبلة والبالغ 1.1 تريليون يورو. 
 
عند مرور العاصفة إما أن يغرق جميع من هم على نفس القارب أو ينقذوا بعضهم جميعاً ويدرك الأوروبيون اليوم أكثر من أي يوم مضى، أن لا مجال للخروج بأوروبا ضعيفة وتعافي اقتصاد دول الاتحاد سيؤثر ايجاباً على باقي الدول، خصوصاً في ظل تداعيات أزمة وباء كورونا على العالم أجمع، لذلك تركزت مساعي قادة الدول الأعضاء على التوصل لتسوية بتوليفة رابح رابح، والخروج بصفقة لا سابق لها في تاريخ الاتحاد الأوروبي لتقيهم من الانتقادات الداخلية وتحفظ لهم ماء الوجه وتظهرهم بموقع القوة أمام المعارضة، والأهم لتعيد عجلة الاقتصاد الأوروبي إلى الدوران بعد فترة توقف، مبعدة شبح انهيار منظومة السوق الأوروبية المشتركة.